السبت , نوفمبر 25 2017
الرئيسية / مقالات / اللغة بين الأصيل والدخيل

اللغة بين الأصيل والدخيل

محمد إدريس كاتب ومحاضر سوداني مقيم بماليزيا
محمد إدريس
كاتب ومحاضر سوداني مقيم بماليزيا

يعد انتحال الألفاظ الأجنبية من الظواهر التي توجد بدرجات متفاوتة في كل لغات العالم تقريبا، كما أنها ليست ظاهرة حديثة، فقد أخذت العربية عن الفارسية الكثير قبل الإسلام، وأثرت فيها وفي التركية والأردية وغيرها من لغات المسلمين تأثيرا قويا بعد الإسلام، ولم يختلف الحال كثيرا مع تأثير الصينية في اليابانية والكورية، وتأثير السنسكريتية في في التايلندية والجاوية، وتأثير كل من الإغريقية واللاتينية في جميع لغات أوروبا.

وكما أن تأثر اللغات ببعضها ظاهرة حدثت في الماضي ونشهدها في الحاضر، فإن مقاومة الألفاظ الدخيلة ومحاولة الاستعاضة عنها بأخرى أصيلة أمر سجلته كتب التاريخ ونراه في عصرنا الحالي، حيث يرى الكثير من الراغبين في الحفاظ على نقاوة لغاتهم أن الأصيل أولى من الدخيل، وذلك لعدة أسباب أولها أن الألفاظ الأصيلة وإن كانت مستحدثة عادة ما تكون أكثر اتساقا مع نظام اللغة الصوتي والصرفي، فلفظة حاسوب مثلا يمكن أن نشتق منها كلمات مثل حوسب ويحوسب وحوسبة وحاسوبي وغيرها، بينما يختلف الأمر مع كلمة “كمبيوتر” التي لا يستساغ اشتقاق ألفاظ منها من قبيل “كمبت، يكمبت، كمبتة”!

لكن أهم سبب يدفع البعض إلى تفضيل الأصيل على الدخيل في اللغة هو الرغبة في الحفاظ على وحدتها لأغراض عدة، فالألفاظ الأصيلة خصوصا في المجالات العلمية تقلل صعوبة المفاهيم التي تعبر عنها وتزيل الهالة التي حولها عند العوام فتقل بذلك الفجوة في الفهم بينهم وبين المتخصصين. واستخدام الألفاظ الأصيلة يساهم أيضا في الحفاظ على وحدة اللغة عبر التاريخ لكي لا يكون من العسير على القارئ أن يفهم نصوصا قديمة كتبت قبل مئات السنين. وعلى سبيل المثال نجد أنه عوضا عن كلمة مستشفى كان القدماء يستخدمون كلمة بيمارستان، وهي كلمة ذات أصل فارسي لا يمكن لقارئ العربية اليوم أن يعرف معناها دون شرح.

وأيا كان الأمر فإن حتمية تغير اللغة عبر القرون لا تعني أنه ليس من الممكن لأهل اللغة محاولة توجيه دفته قدر الإمكان نحو الأصيل عوضا عن الدخيل، فرغم أن لفظة “كمبيوتر” المشار إليها أعلاه والتي نستعملها في العامية عوضا عن حاسوب منتشرة في كثير من لغات العالم إلا أننا نجد أن بعض اللغات كالتركية والفرنسية والفتنامية والتشيكية والمجرية والصينية وغيرها قد استحدثت بدائل أصيلة لها، وهو ما يثبت أن الألفاظ الدخيلة ليست قدرا كما قد يتوهم البعض، وأن السباحة ضد تيارها وإن كان جارفا ليست بالضرورة ضربا من ضروب المستحيل.

شاهد أيضاً

اقتصاد مرن رغم انعدام استقرار البيئة الاقتصادية الدولية

أكدَ البنك المركزي الماليزي بأن اقتصاد البلاد لم يزل مرناً، رغم انعدام استقرار البيئة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *